الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

113

مناهل العرفان في علوم القرآن

لإحداهما ، ودون إمكان للأخذ بهما معا لبعد الزمان بين الأسباب - فحكمها أن نحمل الأمر على تكرار نزول الآية بعدد أسباب النزول التي تحدثت عنها هاتان الروايتان ، أو تلك الروايات - لأنه إعمال لكل رواية ، ولا مانع منه . قال الزركشي في البرهان : « وقد ينزل الشيء تعظيما لشأنه ، وتذكيرا عند حدوث سببه خوف نسيانه » ا ه . ( مثال ذلك ) ما أخرجه البيهقي والبزّار عن أبي هريرة أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقف على حمزة حين استشهد وقد مثّل به ، فقال : « لأمثّلنّ بسبعين منهم مكانك » فنزل جبريل - والنبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم واقف - بخواتيم سورة النّحل « وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ » إلى آخر السورة ، وهن ثلاث آيات . وأخرج الترمذي والحاكم عن أبىّ بن كعب قال : ( لمّا كان يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة وستون ، ومن المهاجرين ستة ، منهم حمزة ، فمثّلوا به ، فقالت الأنصار : لئن أصبنا منهم يوما مثل هذا لنربينّ ( أي لنزيدنّ ) عليهم . فلمّا كان يوم فتح مكة أنزل اللّه « وَإِنْ عاقَبْتُمْ » الآية . فالرواية الأولى تفيد أن الآية نزلت في غزوة أحد ، والثانية تفيد أنها نزلت يوم فتح مكة ، على حين أن بين غزوة أحد وغزوة الفتح الأعظم بضع سنين ، فبعد أن يكون نزول الآية كان مرة واحدة عقيبهما معا . وإذن لا مناص لنا من القول بتعدّد نزولها ، مرة في أحد ومرة يوم الفتح . وقد ذهب البعض إلى أن سورة النحل كلها مكية . وعليه فتكون خواتيمها المذكورة نزلت مرة بمكة قبل هاتين المرتين اللتين في المدينة ، وتكون عدّة مرات نزولها ثلاثا . وبعضهم يقول إن سورة النحل مكية ما عدا خواتيمها تلك فإنها مدنية ، وعليه فعدّة مرات نزولها ثنتان فقط .